القاضي عبد الجبار الهمذاني
303
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فلم يصح مع ذلك نسبهم إليه ، واعترافهم بأنه اختص بالمزية ، لوقوعه من قبله ، ولو لم يكن اعترافهم على هذا الحد ، لقد كان الاعتراف به من قبله ، وأنه إنما تميز من سائر الكلام ، لفضل فصاحة ، من الاحتجاج البين ، في إبطال أمره ؛ وما حل هذا المحل من الحجج الظاهرة ، لا يحتاج إلى نظر وجدل ؛ لأنه يتقرر في العقول ، لا يخفى على الواحد ؛ فكيف على الجمع العظيم ، في الأوقات والأعصار ! فإن قيل : جوزوا أن يتقدم الواحد ، في الفصاحة أهل عصره ، بل أهل الأعصار ، بأن يتحمل المشقة في طلب العلم بذلك الشأن ، ويبذل فيه من الجهد ، فيظفر بما يباين به غيره ، كما نعلمه من حال كثير من العلوم ؛ ومتى جوزتم ذلك ؛ فيجب أن تجوزوا في الرسول ، صلى اللّه عليه ، ذلك وأنه أتى بالقرآن ، على هذا الحد ، لا أنه من قبله تعالى ، أظهره دلالة على نبوته . قيل له : إن ذلك لا يتأتى في الكلام الفصيح ، ولا فيما يجرى مجراه ، من الصناعات ؛ لأن كل واحد منهم كالحافظ عن غيره ، والحاكي لكلامه ؛ فكما لا يصح في المحتذى أن يزيد على المبتدى ، في الأمر الّذي يحكى عنه ؛ فكذلك القول في الفصاحة . . يبين ذلك : أنه صلى اللّه عليه ، لم يختص بالفصاحة إلا على الوجه ، الّذي اختص بعضهم مع بعض ؛ وإنما حفظ اللغة عنهم ، على حسب حفظ غيره فكيف يصح أن يقال : إنه يزيد عليهم ! ؛ ولو كانت الفصاحة مما يتكلف لها ، حتى تجرى مجرى الصنائع ، التي يتعلمها الإنسان بالممارسة الطويلة ، لكان لا يجوز أن يزيد أيضا عليهم ، إلا بالقدر المتعارف ؛ وهذا متعالم من أحوال الفصحاء : أن الزيادة التي يختص بها بعضهم لا تخرج عن العادة ؛ بل المتقدم منهم قد يحصل مفضولا ، في كثير من الكلام ؛ والنازل عن رتبته ، قد تتقدّم فصاحة بعض كلامه ، على ما بينا القول في ذلك ؛ وإنما يصح التقدّم الشديد ، وفي العلوم المكتسبة ، لأنها موقوفة على فعله ؛